عبد الرزاق اللاهيجي
114
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
وقد يحصل منه : أنّا لا نرى اللّون في الظّلمة ، فذلك : إمّا لعدمه في نفسه ، وإمّا لوجود عائق عن رؤيته ، ولا عائق هناك بالفرض سوى الهواء المظلم ، وهو لا يصلح عائقا ، فإنّ الجالس في غار مظلم يرى من في الخارج مع كون الهواء الّذي بينهما مظلما ، فهو لعدمه في نفسه وهو المطلوب . واعترض المتأخرون عليه « 1 » : بأنّ عدم الرؤية لعلّه لفقدان شرطها وهو إحاطة الضوء بالمرئي ، فلا يدلّ على المطلوب . وأنت إذا أجدت التأمّل . وجردته عن أغشية التوهّم والتخيّل أمكنك أن تعرف إنّ ظنّ كون اللّون الموجود بالفعل في الظلمة غير مرئي لكونه مستورا بالظّلمة له وجه تخيلي . وأما ظنّ كونه غير مرئيّ مع وجوده بالفعل ، وسلامة الحاسّة ، وعدم الحائل ، لكونه محتاجا إلى إحاطة الضوئيّة ، فلا معنى له . وأيّ دخل يمكن أن يكون لإحاطة الضّوء باللّون في كونه مرئيّا سوى جعله موجودا بالفعل . وما يتبادر إلى الأوهام من أنّ الضوء يجعل اللّون الموجود ظاهرا للحسّ ومنكشفا عنده ، فلا وجه له ، إذ الظّهور والانكشاف لا معنى لهما إلّا ارتفاع الحائل . فبناء هذا التّبادر وإنّما هو على توهّم كون الظلمة أمرا وجوديّا عائقا عن الرّؤية . وقد عرفت بطلانه .
--> ( 1 ) . لاحظ : كشف المراد : المسألة الخامسة من مبحث الكيف ؛ والمباحث المشرقيّة : 1 / 302 - 303 / الفصل السّادس من الباب الثّالث ؛ ونهاية المرام في علم الكلام : 1 / 542 ؛ وشرح تجريد العقائد : 239 .